محمد علي الحسن
153
المنار في علوم القرآن
وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار » « 1 » ، هذا ليلهم ، أما نهار الصحابة في المسجد ، فكان يسمع لهم ضجة بتلاوة القرآن ، حتى أمرهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا ، ومن هنا كان عدد الحفاظ من الصحابة رضوان اللّه عليهم كثيرا ، أشهرهم الخلفاء الأربعة والعبادلة وعمرو بن العاص وابن الزبير ومعاوية وأمهات المؤمنين عائشة وحفصة وأم سلمة ، وغيرهم من المهاجرين ، ويكفي أن نعلم من كثرتهم أنه قتل منهم في يوم بئر معونة سبعون ، ويوم اليمامة مثلهم أي أربعون ومائة « 2 » . أما الحفظة من الأنصار فهم كثيرون ، أشهرهم : أبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وعبادة بن الصامت ، وأبو الدرداء ، وأبو أيوب الأنصاري ، وأبو زيد ( وهو قيس بن السكن ) . يتضح لنا أن الحفاظ كثيرون ، وقد زادوا على حد التواتر ، ومع ذلك فقد أثار أعداء الإسلام - قديما وحديثا - شبهة مفادها أن الحفظة من الصحابة لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة . وتمسكوا بأثر رواه البخاري وغيره ، وظنوا أن هذا مستمسك لهم ، وما هو بذلك ؛ وقد رد علماؤنا كيدهم إلى نحورهم . أما الأثر فما ورد في صحيح البخاري عن أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - أنه قال : ( مات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ) « 3 » . فقد زعموا أن هؤلاء الأربعة هم الحفظة ولا أحد غيرهم ظنا منهم أن الحصر في هذا الأثر حصر حقيقي . والواقع أن هذا الحصر نسبي لا حقيقي ، ويدلنا على ذلك ما رواه أنس بن مالك نفسه ، وقد سأله قتادة عن جمع القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ( أربعة كلهم من الأنصار : أبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ) « 4 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه ، ( 4232 ) ، ومسلم ( 2499 ) ( 166 ) . ( 2 ) هذه الأسماء قد وردت في أحاديث صحيحة . وانظر : المرشد الوجيز ، لأبي شامة ، ص 40 - 42 . ( 3 ) صحح البخاري . كتاب فضائل القرآن ، باب القراء من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ح ( 5004 ) . ( 4 ) صحيح البخاري ح ( 5003 ) .